عبد القادر الجيلاني

18

فتوح الغيب

الظّلمات إلى النّور ، ويخلفون الأنبياء في تهذيب النّفوس وتجديد الصّلة باللّه تعالى ، والتّذكير بالآخرة ، وإيثارها على الدّنيا ، وتجريد التّوحيد وإخلاص الدّين للّه تعالى ، وذلك كلّه من أهمّ مقاصد بعثة الأنبياء ومن معظم أهدافهم ، ولا يمكن أن يبقى الإسلام كدين ونظام خلقيّ وأسلوب للحياة ودعوة مؤثّرة حتّى يكون له دعاة مجدّدون من هذا الطّراز . لقد كانت وطأة الحكومة الّتي كان على رأسها الملوك والمسلمون الّذين يتسمّون بالخلفاء شديدة على المجتمع الإسلاميّ ، ولقد كان للمسلمين اندفاع قويّ إلى الجاهليّة ، ولقد كانت هذه الأوضاع خطرا كبيرا على الإسلام وعلى المزاج الإسلاميّ ، فكان المجتمع الإسلاميّ المحاط بهذه الأخطار في حاجة شديدة إلى مصلح دينيّ ومجدّد إسلاميّ من الطّبقة الأولى ، يحارب الجاهليّة الّتي تسرّبت إلى الإسلام ، في عاصمتها ، وفي أوجها ، وينفخ روحا إيمانيّة جديدة في هذا العالم المنهار . لقد وجد هذا المصلح في شخص الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ ، الّذي ظهر في بغداد في آخر القرن الخامس ، وتسلّم الزّعامة الدّينيّة ، وعاش نحو قرن فردا فريدا في الدّعوة إلى اللّه ، والتفّ حوله العالم الإسلاميّ ، وأثّر فيه تأثيرا لم يؤثّر مثله عالم أو مصلح من مدّة طويلة . * دراسته ونبوغه : ولد الشّيخ عبد القادر سنة 470 ه في جيلان ، ينتهي نسبه إلى الحسن بن عليّ - رضي اللّه تعالى عنهما - . دخل بغداد سنة 488 ه ، وله ثماني عشرة سنة ، وهي السّنة الّتي خرج فيها أبو حامد الغزاليّ من بغداد تاركا لتدريس النّظاميّة ، زاهدا في الدّنيا طالبا للمعرفة واليقين « 1 » ، وأقبل إلى العلم بهمّة عالية وجدّ وحرص ، ولم يعقه شغفه بالعبادة والاشتغال باللّه عن الاشتغال بالعلم ، ولم يرض بالقناعة في العلم والاقتصار على القليل الّذي لا بدّ منه .

--> ( 1 ) البداية والنهاية ( 12 / 149 ) .